الحزام والطريق.. بوابة ذهبية للتعاون الصيني العربي

البرج الأيقوني في العاصمة الجديدة لمصر، أعلى مبنى في قارة أفريقيا

من منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة لمصر إلى محطة حصيان للطاقة في دبي، ومن الطريق السريع بين الشمال والجنوب في الجزائر إلى الاستاد الرئيسي لكأس العالم في قطر، شهد البناء المشترك لمشاريع “الحزام والطريق” نتائج مثمرة للتعاون الصيني العربي.

القاهرة: باري لينكس

مع سقوط شعاع الشمس الأول في الصباح على “أطول مبنى في أفريقيا” قيد الإنشاء، يعود موقع البناء في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر، والذي كان هادئا طوال اليل، إلى حيويته مجددا. وبعد أن أنهى يان يوه بينغ اجتماع الإدارة الصباحي، بدأ يوما حافلا جديدا من عمليات التفتيش على السلامة في الموقع.

ويعمل يان يوه بينغ (26 سنة) مهندس سلامة في فرع الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية (CSCEC) في مصر، مقاول مشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر. ويقع المشروع على بعد حوالي 50 كيلومترا شرق العاصمة القاهرة، على مساحة 505 آلاف متر مربع، تضم 20 بناية شاهقة منفردة والهندسة الداعمة المطابقة لها. ولعل أبرزها مشروع “البرج الأيقوني” الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 متر في أعلى نقطة له، والمعروف باسم “أطول مبنى في أفريقيا”، والذي أطلق عليه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أيضا لقب “الهرم الجديد”.

وخلال أكثر من عام من العمل في الموقع، شهد يان العديد من اللحظات التي واكبت ارتفاع “أطول مبنى في أفريقيا” من الأرض في الصحراء. وكمهندس سلامة، فإن مهامه تشمل “فحص النبض” داخل وخارج “البرج الأيقوني” للتأكد من أنه “ينمو” بأمان وسلام. وكل يوم، من المنصة إلى البرج، يتنقل يان إلى كل ركن من أركان موقع البناء لإجراء معاينات مفصلة حول العمليات على ارتفاعات عالية، والمعدات الضخمة، ومكافحة الحرائق، والاستهلاك المؤقت للطاقة، وما إلى ذلك، وتصحيح العمليات غير السليمة، والقضاء على مخاطر السلامة المحتملة.

وقد أضاف العديد من البنائين الصينيين مثل يان يوه بينغ إلى السمعة الطيبة للصين في الدول العربية وجعلوا “بناء الصين” مرادفا للجودة العالية.

وعلى بعد حوالي ساعة بالسيارة جنوبا من مدينة الجزائر عاصمة الجزائر، تقف جبال الأطلس الشاهقة، وتبرز بشكل خاص لافتة ثنائية اللغة صينية فرنسية كتب عليها “طريق واحد، حلم واحد”. وهذا هو موقع قسم حيفا السريع بين الشمال والجنوب الجزائري، وهو أطول نفق طريق وأطول جسر طريق في الجزائر، والذي تم تنفيذه بواسطة شركة CSCEC الصينية.

وغالبا ما يأخذ سائق سيارة الأجرة باهوت الركاب على هذا الطريق السريع الذي يربط بين ميديه والبليدة. وقد أثنى على هذا الطريق وخاصة النفق البالغ طوله 4.8 كيلومتر والذي وصفه بأنه “عمل فني”. وقبل فتح قسم حيفا أمام حركة المرور، وبسبب سوء حالة الطريق، كان الأمر يستغرق ساعة ونصف لقطع المسافة بين ميديه إلى البليدة، تصل إلى ثلاث ساعات في شهور الشتاء. أما بعد فتح الطريق أمام حركة المرور، فتم تقصير وقت السفر بشكل كبير إلى نصف ساعة، وقال باهوت وعلامات السعادة ظاهرة على ملامحه “يمكنني قطع المسافة عدة مرات في اليوم، ودخلي أعلى بكثير!”.

“مسرع” التنمية المحلية

حققت مشاريع “الحزام والطريق” فوائد ملموسة للسكان المحليين، وتعد منطقة تيدا السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر واحدة من المجمعات الصناعية في مصر مع أفضل بيئة شاملة وأعلى كثافة استثمارية وأعلى إنتاجية لكل وحدة.

لقاءات ممتدة بين قادة الصين والقادة العرب خلال السنوات الأخيرة وفي الصورة، الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانج قبل ثماني سنوات، ضمن سلسلة لقاءات لم تنقطع

وحتى الآن، تم تشكيل أربع مجموعات صناعية رائدة من مواد البناء الجديدة، والمعدات البترولية، ومعدات الجهد العالي والمنخفض، وتصنيع الآلات، ونجحت في جذب أكثر من 130 شركة للاستقرار فيها، وتوفير فرص عمل مباشرة لأكثر من 4000 نسمة، وفيما تخلق الصناعات ذات الصلة حوالي 50 ألف فرصة عمل.

ويعد مشروع إنشاء البنية التحتية للإسكان في المطلاع، أحد المشاريع الرئيسية لإفادة رفاهية الشعب ضمن مبادرة “الحزام والطريق” الصينية و”رؤية 2035″ الكويتية، وقد بدأ البناء في أبريل 2017. واحتاج آلاف العمال الصينيين والأجانب من إدارة مشروع إنشاء البنية التحتية للإسكان بالمطلاع لمجموعة سد قهتشوبا الصينية للطاقة ما يقرب من أربع سنوات للتغلب على تحديات ظروف البناء الصعبة وتفشي جائحة كوفيد-19. ونجحوا في تسليم المشروع بأكمله إلى الكويت على دفعتين في عامي 2020 و2021، مما قدم المساعدة لتحسين الاقتصاد ومعيشة الناس في الكويت أثناء فترة الجائحة.

ويعد مشروع مدينة البحر الأحمر الجديدة في المملكة العربية السعودية أحد أكبر مشاريع تخزين الطاقة في العالم. باستخدام “الطاقة الكهروضوئية + تخزين الطاقة” كحل للطاقة لتحقيق الحياد الكربوني بنسبة 100٪، مما يجعل له أهمية إستراتيجية وتأثيرات واضحة لتطوير صناعة تخزين الطاقة العالمية. 

ووقعت شركة هواوي لتقنية الطاقة الرقمية وشركة الهندسة الثالثة للطاقة الكهربائية شاندونغ (SEPCOM) بنجاح على تنفيذ هذا المشروع لمساعدة السعودية في بناء مركز عالمي للطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر. وحاليا، دخل المشروع مرحلة التصميم والبناء.

محطة حصيان للطاقة في دبي، ستدخل حيز التشغيل الكامل خلال العام الجديد 2023

ويعد مشروع محطة دبي حصيان لتوليد الطاقة أحد المشاريع الرئيسية لتعاون “الحزام والطريق” بين الصين والإمارات العربية المتحدة. كما أنه أول مشروع محطة كهرباء في الشرق الأوسط حيث تشارك مؤسسة بتمويل صيني في الاستثمار والبناء. ومن المتوقع أن يدخل حيز التشغيل التجاري بالكامل في عام 2023، مما سيوفر 20٪ من طاقة الكهرباء في دبي ويقلل بشكل كبير من تكلفة الكهرباء على السكان المحليين.

أما مصفاة ينبع الصينية السعودية، باستثمارات إجمالية تبلغ 8.6 مليار دولار أمريكي، فهي مشروع مشترك بين شركة سينوبك ومؤسسة البترول العربية السعودية. ومنذ أن بدأت الإنتاج في 20 يناير 2016، تطورت بشكل سريع. في الفترة من يناير إلى أغسطس من هذا العام، بلغت الأرباح التراكمية 1.15 مليار دولار.

“القلب” وتعزيز الصداقة الصينية العربية

طبعت العديد من الدول العربية “نتائج” التعاون الصيني العربي على أوراقها النقدية الوطنية والأوراق النقدية التذكارية، مما جعل الصداقة الصينية العربية ظاهرة. مسجد الجامع الكبير في الجزائر الذي شيدته شركة صينية، وأكبر جسر في أفريقيا شيدته شركة صينية (جسر محمد السادس)، وأول قمر صناعي جزائري للاتصالات طورته وأطلقته الصين، وثلاثة سدود ومحطات طاقة كهرومائية في السودان شيدتها وأهلتها شركات صينية، والملعب الرئيسي

لمونديال قطر 2022 من تصميم وبناء شركة صينية (ملعب لوسيل).

 

معلب لوسيل في قطر والذي شهد أبرز فعاليات بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، هو أحد مشروعات التعاون مع الصين

وفي كل مشروع تعاوني، لا يقتصر الجانب الصيني على البناء والاستثمار فحسب، بل يمثل أيضا المدرب الأكثر ذكاء للتكنولوجيا وخبرة الإدارة. والأهم من ذلك، أنه وسيط الصداقة.

كما تعزز مشاريع “الحزام والطريق” الروابط الشعبية بين الصين والدول العربية. فخلال المهرجانات الصينية التقليدية مثل مهرجان منتصف الخريف وعيد الربيع، أجرى الجانب الصيني لمشاريع “الحزام والطريق” أنشطة احتفالية، لم تجعل الموظفين الصينيين يشعرون بالدفء فحسب، بل أظهرت أيضا سحر الثقافة الصينية للموظفين العرب. كما أنه خلال الأعياد والمناسبات الإسلامية مثل رمضان وعيد الأضحى، يشارك الموظفون الصينيون زملاءهم العرب في الاحتفال وتناول الأطعمة التقليدية، والأنشطة الخيرية.

وقال محمد سعيد الموظف البحريني في مشروع الإسكان الميسر في شرق سترة بالبحرين “أنا وزملائي الصينيون لا نعمل فقط، ولكننا أشبه بالعائلة والأصدقاء، لقد عرفوني على الأنهار والجبال الرائعة في الصين والثقافة العريقة والرائعة”. 

اترك تعليقاً